في شهر أبريل الماضي، ضجّت مواقع الأخبار العالمية بخبر عن شاب أمريكي اسمه ماثيو غالاغر أنشأ شركة في مجال تسويق الأدوية حققت مبيعات بأكثر من 400 مليون دولار. لم تكن المفارقة في رقم الشركة، بل في عدد موظّفيها؛ إذ كانت الشركة مكوّنة من شخصين فقط: ماثيو وأخوه الذي كان يساعده. لكن هذين الشخصين لم يكونا عاديين، بل أدارا عشرات من وكلاء الذكاء الاصطناعي لبناء هذه الشركة. نحن ببساطة أمام شخص قضى سنوات يعمل في مجال التسويق وامتلك خبرة عميقة فيه، ثم استطاع، مع ظهور الذكاء الاصطناعي وإتقانه استخدامه، أن يحوّل خبرته العميقة إلى شركة ناجحة.
لن يكون ماثيو الأخير. سنسمع في الأشهر والسنوات القادمة قصصاً كثيرة تشبه قصته؛ قصص شركات جديدة وصلت إلى الربحيّة، ومكوّنة من شخص واحد أو اثنين يمتلكان خبرة في مجال معيّن، وتمكّنا باستخدام الذكاء الاصطناعي من تحويل خبراتهما وأفكارهما إلى واقع. إذن، ليس ماثيو حالة فريدة، بل يمثّل أحد أوائل المؤشرات الواضحة على ظهور جيل جديد من روّاد الأعمال غير التقليديين؛ أشخاص دمجوا خبرتهم في مجالهم الأصلي مع خبرتهم في إدارة الوكلاء وتطويعهم، وبنوا شركات ناشئة بطريقة غير تقليدية، يكون الذكاء الاصطناعي فيها في القلب لا على السطح.
حتّى نفهم الشكل الجديد لريادة الأعمال، علينا أولاً أن نفهم كيف تسير الأعمال أساساً. أي عمل، مهما كان حجمه، ليس إلا مجموعة من الأنشطة المختلفة التي يجب أن تحدث باستمرار وتزامن حتى يظل قائماً؛ مثل التسويق، والمبيعات، والعمليّات، وبناء المنتج نفسه وصيانته، وخدمة العميل، وغيرها من الأنشطة المختلفة.
في الشركات الكبيرة، يتولى كل نوع من هذه الأعمال مجموعة من الموظفين أو قسم كامل؛ فيكون هناك مثلاً قسم خاص بالتسويق، وقسم خاص بخدمة العملاء، وقسم خاص بالمنتج، وهكذا. أما في الشركات الصغيرة والناشئة، فعادةً ما يتولى المؤسس نفسه، مع شريك أو اثنين، هذه الأمور كلّها، أو يستعينون بمستقلين أو بعدد صغير من الموظفين لتغطية هذه الجوانب.
لكن الجديد اليوم ليس اختفاء هذه الأعمال، بل أن شخصاً واحداً أصبح قادراً، باستخدام الذكاء الاصطناعي، على تنفيذ جزء كبير منها، وربما كلّها في مستقبل قريب. يمكننا أن نسمّي هذا الشخص رائد الأعمال المتبنّي للذكاء الاصطناعي، وهو شخص يمتلك قدرتين اثنتين:
- القدرة على فهم السوق واحتياجاته، ومعرفة ما يستحق البناء، واتخاذ القرارات، ووضع الخطط.
- القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي وتطويعه ليكون منفّذ هذه القرارات والخطط، والقلب النابض للشركة.
وذلك لبناء خططه وتسيير عمليّات الشركة.
ولرائد الأعمال المتبنّي للذكاء الاصطناعي 3 صفات أساسيّة:
الأولى أنه شموليّ في مهارات استخدامه للذكاء الاصطناعي، وغير متخصص في مجال واحد فقط. نستطيع، على الأقل حتى الآن، حصر مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي في ثلاثة مجالات: الاستخدام البرمجي لكتابة الشيفرة وصناعة البرمجيات، والاستخدام في العمل اليومي من بحث وتلخيص وتحليل للبيانات وإنشاء للملفّات وغيرها، واستخدام الذكاء الاصطناعي في عالم الوسائط، مثل إنشاء الصور والفيديوهات.
سيحتاج رائد الأعمال غالباً إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات جميعاً خلال المراحل المختلفة من عمله. سيحتاج إلى كتابة الشيفرة لإنشاء أدوات وتطبيقات وأتمتة عمليّاته، وسيحتاج إلى وكلاء للتلخيص والبحث وتحليل البيانات، كما سيحتاج إلى الوسائط والصور والمخرجات الإبداعية. لذلك لن يتخصص في مجال واحد فقط، بل سيتعلّم ويتوسّع في كل جانب من هذه الجوانب بحسب احتياجه والمرحلة التي يمر بها.
والصفة الثانية أنه يُنشئ شركته بطريقة تجعل الذكاء الاصطناعي في قلبها، لا أداة جانبية فيها. والفرق بين هذين النوعين من استخدام الذكاء الاصطناعي كبير جداً.
هناك فرق بين شخص قرر إنشاء ملفّات تحوي سياقات شركته، وتعليماته، وهويته البصرية، وأهدافه القريبة والمتوسطة والبعيدة، ووضعها في مكان واحد، ثم استدعى الذكاء الاصطناعي ليكون القلب المشغّل لهذه البيئة كلّها. أتاح له الوصول الحي إلى قواعد بياناته ومؤشّرات عمله، وأنشأ وكلاء ومهارات مخصصة وأدوات مساعدة للوكيل، حتى وصل إلى مرحلة لم يعد فيها مضطراً إلى إعادة شرح كل شيء من جديد؛ فكل شيء واضح أمام الوكيل وموجود.
وهناك شخص آخر يستخدم الذكاء الاصطناعي أداة جانبيّة؛ فما زال يستخدمه في محادثات متفرّقة، وملفّاته كلّها مبعثرة، ويضطر مع كل محادثة جديدة إلى شرح نفسه من الصفر.
وضع الأول الذكاء الاصطناعي في قلب العمل، ولذلك بُنيت شركته منذ البداية لتكون AI native، أو متكيّفة مع الذكاء الاصطناعي. يصبح وكلاؤه كل يوم أكثر ذكاءً، ويتدربون على عمله ومشكلاته، ويراكمون خبرات وسياقات تصبح وقوداً لمزيد من النمو.
- والصفة الثالثة لرائد الأعمال المتبنّي للذكاء الاصطناعي أنه يعرف تماماً الخط الفاصل بين دوره ودور الذكاء الاصطناعي. يدرك أن التخطيط والتفكير واتخاذ القرارات هي مسؤوليته، وأن التنفيذ العملي لهذه الخطط هو دور الذكاء الاصطناعي. في اللحظة التي يسلّم فيها رائد الأعمال الذكاء الاصطناعي مسؤولية اتخاذ القرار والتفكير عنه، يكون كمن يطلق النار على قدمه.
الفرصة اليوم تاريخيّة لأصحاب الخبرات والأفكار الطامحين لبناء الشركات الناشئة، خبرتك في مجالك بالإضافة لقرارك بتبنّي الذكاء الاصطناعي قادرين ينقلوك إلى مستوى مختلف تماماً من القدرة على التنفيذ.
المستقبل واعد جداً، وما زلنا في البدايات. وكما يقول المثل الشهير: يبدو المتشائمون أكثر ذكاءً، لكن المتفائلين هم الذين يفوزون دائماً.
نراكم إن شاء الله على خير.